أحمد مصطفى المراغي

10

تفسير المراغي

ذاك أنهم يعلمون أنه من جنس الوحي الذي نزل على أنبيائهم وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله - إلى أن كتبهم تشتمل على بشارات بذلك النبي لم تكن لتخفى على علمائهم في عصر التنزيل كما قال تعالى : « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . وقد اعترف بذلك من أنار اللّه بصيرتهم من أهل الكتاب فآمنوا ، وأنكر بعضهم الحق وكتمه بغيا وحسدا فباء بالخسران المبين . ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) الخطاب إما للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمراد به غيره على طريق التعريض كقوله : « وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » * وتقدم الكلام على مثل هذا وإما - له والمراد النهى عن الشك في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل بالحق - أو الخطاب لكل من يتأتى منه الامتراء على مثال قوله : « وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ » ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ) قد تطلق الكلمة على الجملة والطائفة من القول في غرض واحد ؛ فإذا كتب أحد أو خطب في موضوع ما قيل كتب أو قال كلمة ، وكانوا يسمون القصيدة كلمة ، وقالوا كلمة التوحيد يعنون ( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) * والمراد بها هنا ما أريد بها في قوله : « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » والمعنى - وتمت كلمة ربك فيما وعدك به من نصرك ، وأوعد به المستهزئين بالقرآن من الخذلان والهلاك ، كما تمت في الرسل وأعدائهم من قبلك كما قال : « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ » . وتمامها صدقا هو حصولها على الوجه الذي أخبر به ، وتمامها عدلا باعتبار أنها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون ، وللمؤمنين بما يستحقون أيضا ، وقد يزادون على ذلك فضلا من اللّه ورحمة ، والمراد بالخبر هنا لازمه وهو تأكيد ما تضمنته الآيات من تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلم على كفر هؤلاء المعاندين وإيذائهم له ولأصحابه ، وإيئاس للطامعين من المسلمين في إيمانهم حين إيتائهم الآيات المقترحة .